الجاحظ
17
المحاسن والأضداد
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه رب العالمين ، وصلى اللّه على رسوله ، سيدنا محمد ، وآله أجمعين . مقدمة قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، رحمة اللّه : « إني ربما ألّفت الكتاب المحكم المتقن في الدين ، والفقه ، والرسائل ، والسيرة ، والخطب ، والخراج ، والأحكام ، وسائر فنون الحكمة ، وأنسبه إلى نفسي ، فيتواطأ على الطعن فيه جماعة من أهل العلم بالحسد والمركب فيهم ، وهم يعرفون براعته وفصاحته ؛ وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفا لملك معه المقدرة على التقديم ، والتأخير ، والحط ، والرفع ، والترهيب ، والترغيب ، فإنهم يهتاجون عند ذلك ، اهتياج الإبل المغتلمة . فإن أمكنتهم الحيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي ألّف له ، فهو الذي قصدوه وأرادوه ، وإن كان السيد المؤلف فيه الكتاب نحريرا نقّابا ، ونقريسا بليغا ، وحاذقا فطنا ، وأعجزتهم الحيلة ، سرقوا معاني ذلك الكتاب ، وألفوا من أعراضه وحواشيه كتابا وأهدوه إلى ملك آخر ، ومتّوا إليه به ، وهم قد ذموه وثلبوه لما رأوه منسوبا إليّ ، وموسوما بي . وربما ألّفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه ، فأترجمه باسم غيري ، وأحيله على من تقدّمني عصره مثل ابن المقفع والخليل وسلم صاحب بيت الحكمة ، ويحيى بن خالد ، والعتابي ، ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي